محمد بن أحمد الفاسي

327

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

إحداهما : أنه لما توجه إلى الحجاز ، على طريق الصعيد ، قصد بقنا ، بنت سيدي الشيخ عبد الرحيم القنائى ، زوجة الشيخ أبى الحسن بن الصباغ ليزورها ، فسلم عليها وهي في حجابها ، فلما أراد الانفصال أرسلت إليه بسجادة ، وفيها أقراص خبز ، وقطع سكر ، وقوالب جبن ، ثم رآه بعض من كان معه ، يدق الخبز ، فتعجب من ذلك لشدة الرخص ، فسأل عن ذلك الشيخ ، فقال : هذا أدقه يكون شفاء يستشفى به ، وكحلا للأعين . والأخرى : أنه لما بلغه موت الشيخ عبد الرزاق ، صاحب الشيخ أبى مدين ، قصد عزاء أصحاب الشيخ وولده بالإسكندرية ، فسمع أصحاب الشيخ عبد الرزاق بمجىء القرطبي معزيا فخرجوا للقائه ، فاجتمعوا خارج الإسكندرية . وكان مع أصحاب الشيخ عبد الرزاق ولد له صغير . فسلم القرطبي على ولد الشيخ وقبل قعر قدمه ، وقال له : إكراما لأبيك . انتهى بالمعنى . ومما يحسن ذكره هنا ، ذكر شئ من حال الشيخ عبد الرزاق المذكور في هذه الحكاية ، فمن ذلك : أن جدى قال : وأخبرني - يعنى أبا عبد اللّه محمد بن شعيب بن عبد اللّه الفشتانى - أن الشيخ أبا عثمان - يعنى الورياجلى - خرج من مدينة فاس وبلادها ، قاصدا سيدنا أبا مدين رضى اللّه عنه ، ليصحبه . قال : فلما قدم بجاية ، جاء إلى منزل الشيخ ، فأستأذن عليه ، فكلمه من وراء الباب ولم يظهر له ، وقال له : عليك بعبد الرزاق ، وكان عبد الرزاق في الإسكندرية ، فسافر من ثم إلى الإسكندرية ، وصحب عبد الرزاق ، ونال منه نصيبه ، نفع اللّه بهم ، ثم رجع إلى مدينة فاس ، وانتفع به ، وأشهر من ظهر من أصحابه ، أبو محمد الفشتانى . ورأيت على قبر سيدنا عبد الرزاق بالإسكندرية - وقبره مشهور بالديماس - توفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة . وقال رحمه اللّه : سمعت الشيخ أبا العباس أحمد بن الإمام العارف القدوة أبى الحسن الشاذلي رحمه اللّه ، يقول غيره مرة : كنت أتكرّر إلى قبر سيدي أبى محمد عبد الرزاق ، صاحب أبى مدين ، ومهما عرض لي أمر جئته . قال رحمه اللّه : فعرضت لي حاجة ضرورية . قال : فجئت إلى قبره ، وقرأت ما تيسر من القرآن ، وذكرت حاجتي . قال : ثم التفت إلى القبر ، وكان عليه الرمل ، فإذا عليه مكتوب : أحمد قضيت حاجته . انتهى . ولهم ثلاثة قرطبيون علماء ، عاصر بعضهم المذكور ، وبعضهم تأخر عنه ، وهم : أبو